الشيخ محمد النهاوندي
471
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ونشاهده ، بل لو أراد اللّه أن يبعث نبيا لكان إنّما يبعث ملكا لا بشرا مثلنا ، ما أنت يا محمّد إلّا مسحورا ، ولست بنبيّ ، ثمّ اقترحوا أشياء كثيرة » . إلى أن قال الامام : « فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : اللهم أنت السامع لكلّ صوت ، والعالم بكلّ شيء ، تعلم ما قاله عبادك ، فأنزل اللّه عليه : يا محمّد وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ إلى قوله : قُصُوراً مع آيات اخر . قال : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : يا عبد اللّه ، أمّا ما ذكرت [ من ] أنّي آكل الطعام كما تأكلون ، وزعمت أنّه لا يجوز لأجل هذه أن أكون للّه رسولا ، فانّما الأمر للّه تعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، وهو محمود ، وليس لك ولا لأحد الاعتراض [ عليه ] بلم وكيف ، ألا ترى أنّ اللّه تعالى كيف أفقر بعضا وأغنى بعضا ، وأعزّ بعضا وأذل بعضا وأصح بعضا وأسقم بعضا ، وشرّف بعضا ووضع بعضا ، وكلّهم ممن يأكل الطعام ؟ ثمّ ليس للفقراء أن يقولوا : لم أفقرتنا وأغنيتهم ، ولا للوضعاء أن يقولوا : لم وضعتنا وشرفتهم ، ولا للزّمناء والضعفاء . أن يقولوا لم أزمنتنا وأضعفتنا وصحّحتهم ؟ ولا للأذلاء أن يقولوا : لم أذللتنا وأعززتهم ؟ ولا لقباح الصور أن يقولوا : لم أقبحتنا وجمّلتهم ؟ بل إن قالوا ذلك كانوا على ربهم رادّين ، وله في احكامه منازعين ، وبه كافرين ، ولكان جوابه لهم : أنا الملك الخافض الرافع ، المغني المفقر ، المعزّ المذلّ ، المصحح المسقم ، وأنتم العبيد ، ليس لكم إلّا التسليم لي والانقياد لحكمي ، فإن سلمتم كنتم عبادا مؤمنين ، وإن أبيتم كنتم بي كافرين [ وبعقوباتي ] من الهالكين . ثمّ أنزل اللّه تعالى عليه : يا محمّد قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يعني آكل الطعام و يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ « 1 » يعني قل لهم : أنا في البشرية مثلكم ، ولكن ربّي خصّني بالنبوة [ دونكم ] كما يخصّ بعض البشر بالغنى والصحّة والجمال دون بعض من البشر ، فلا تنكروا أن يخصّني أيضا بالنبوة » . إلى أن قال : « فقال رسول اللّه : وأما قولك : ما أنت إلّا رجلا مسحورا ، فكيف أكون كذلك وقد تعلمون أنّي في صحة التميّز والعقل فوقكم ؟ فهل جرّبتم عليّ منذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة خرقة « 2 » أو زلّة أو كذبة أو خيانة أو خطأ من القول أو سفها من الرأي ؟ أتظنون أنّ رجلا يعتصم طول هذه المدة بحول نفسه وقوتها ، أو بحول اللّه وقوّته ؟ وذلك ما قال اللّه : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى أن يثبتوا عليك عمى بحجّة » الخبر « 3 » .
--> ( 1 ) . الكهف : 18 / 110 . ( 2 ) . في تفسير العسكري : جريرة ، وفي الاحتجاج : خزية . ( 3 ) . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام : 500 / 314 ، الاحتجاج : 29 ، تفسير الصافي 4 : 6 .